محمد متولي الشعراوي
2753
تفسير الشعراوى
وعلى مستوانا نحن البشر نرى أن الذي يدفع الإنسان ليعذب إنسانا آخر إنما يحدث ذلك ليشفى غيظ قلبه ، أو ليثأر منه ؛ لأنه قد آلمه فيريد أن يرد هذا الإيلام . أو ليمنع ضرره عنه . واللّه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون في أي موقع من هذه المواقع . فإذا أدار المنافقون هذه المسألة فطريا بدون إيمان فلن يكون جوابهم إلا الآتي : لن يفعل اللّه بعذابنا شيئا ، إن شكرنا وآمنا . ونستخلص من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يريد عرض قضية يثبت فيها الحكم من الخصم نفسه ، يلقيها على هيئة سؤال . وكان من الممكن أن يجرى هذه المسألة خبرا ، إلا أن الخبر هو شهادة من اللّه لنفسه ، أما السؤال فستكون إجابته اقرارا من المقابل . وهذا يعنى أنهم كانوا عاصين ومخالفين . وكأنه سبحانه قد ائتمنهم على هذا الجواب ؛ لأن الجواب أمر فطرى لا مندوحة عنه . وحين يدير الكافر رأسه ليظن باللّه ما لا يليق ، فلن يجد مثل هذا الظن أبدا . « ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً » . وإن لم يشكروا ولم يؤمنوا فما الذي يناله الحق من عذابهم ؟ ونعلم أن عظمة الحق أنه لا يوجد شى من طاعة يعود إلى اللّه بنفع ، ولا يوجد شئ من معصية يعود إلى اللّه بالضرر . ولكنه يعتبر النفع والضرر عائدين على خلق اللّه لا على اللّه - سبحانه - . وسبحانه يريدنا طائعين حتى نحقق السلامة في المجتمع ، سلامة البشر بعضهم من بعض . إذن فالمسألة التي يريدها الحق ، لا يريدها لنفسه ، فهو قبل أن يخلق الخلق موجود وبكل صفات الكمال له ، وبصفات الكمال أوجد الخلق . وإيجاد الخلق لن يزيد معه شيئا ، ولذلك قال في الحديث القدسي : « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا إلا كما ينقض المخيط إذا أدخل البحر . . » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه مسلم وأبو عوانه وابن حبان والحاكم عن أبي ذر .